إمارة الشعر أين انتهت؟

فؤاد الحاج
خلال مطالعاتي لمجموعة من كتب الأدب العربي، بعد أن يئست من السياسيين الجدد، وجدت أننا كدنا أن ننسى في هذه الأجواء المعطلة للتفكير، أنه في تاريخ هذه الأمة كان هناك (سوق عكاظ) في الجاهلية، حيث كانت تُعقد مجالس بين الشعراء، ويجلس للتحكيم فيها أكابر الشعار أمثال النابغة الذبياني، ومن أشهر شعراء سوق عكاظ: امرؤ القيس، والحارث بن حلزة اليشكري، وعمرو بن كلثوم، وعلقمة الفحل، وعنترة بن شدّاد، وزهير بن أبي سُلمى، والأعشى الأكبر (أعشى القيس)، ولبيد بن ربيعة العامري.

وبمرور الزمن انتقل الشعراء إلى المربد في البصرة التي باتت ملتقى للشعراء والأدباء والنحاة الذين كانوا يجتمعون فيها وينظمون مناظرات شعرية وحلقات نقاشية وفكرية، ومن أبرز شعراء المربد جرير والفرزدق وبشار بن برد وأبو نواس، وغيرهم من فطاحل رواد الشعر والنحو مثل الجاحظ والكندي وسيبويه والأصمعي والفراهيدي، ثم تعرضت تلك السوق إلى الاندثار قبل قرون.
هذا في الزمن الغابر، أما في العصر الحديث وتحديداً في عام 1927 أقيم حفل كبير بدار الأوبرا المصرية تمت فيه مبايعة احمد شوقي أميراً للشعراء العرب وقد حضر الحفل وفود من أدباء العالم العربي وشعرائه، وأعلن حافظ إبراهيم باسمهم مبايعته بإمارة الشعر قائلاً:
بلابل وادي النيل بالشرق اسجعي / بشعر أمير الدولتين ورجِّعي
أعيدي على الأسماع ما غردت به / براعة شوقي في ابتداء ومقطع
أمير القوافي قد أتيت مبايعاً / وهذي وفود الشرق قد بايعت معي
وفي عام 1925 أرسل الشاعر أمين نخلة ديوانه (دفتر الأيام) وقد اطلع أحمد شوقي ذات يوم على بعض قصائد شاعر شاب في العشرينات من عمره يدعى أمين نخلة، وقرأ له قصيدة مطلعها:
أحبك في القنوط وفي التمني
كأني صرت منك وصرت مني
فأعجب بشعره، وعندما علم أنه نجل الشاعر الزجل اللبناني رشيد نخلة الذي وضع النشيد الوطني اللبناني، وكان يحمل لقب "أمير الزجل" قرر أحمد شوقي أن يختار لأمين نخلة لقب "أمير الشعر"، فكتب أبيات هذا مطلعها:
هَذَا أمينٌ لعهدي / وقيّمُ الشّعر بَعدي
فكلّ من قال شعراً / في الناس عبد لعبدي
كأنَّ شعر أمينٍ / من نفح بان ورند
أو من عناق التصابي / وقرع خدّ بخدّ
أو من حديث ابن هاني / يعيد فيه ويبدي
وبعد عامين على رحيل أمير الشعراء أحمد شوقي أي في العام 1934 أقام شباب (حزب الوفد) المصري حفلاً لتكريم عباس محمود العقاد بمناسبة فوز نشيده القومي، وفي هذا الحفل تمت مبايعة العقاد بإمارة الشعر وقد كان الدكتور طه حسين حاضراً، وطالب في كلمته الشعراء العرب بمبايعة العقاد وتتويجه.
وفي الرابع من حزيران/يونيو عام 1961 كان "الأخطل الصغير" بشارة عبد الله الخوري قد أتمّ الخامسة والسبعين عندما تنادت الهيئات الثقافية والحكومية في بيروت إلى تكريمه في احتفال قلما عرف له مثيل في البلدان العربية. فقد أقيم مهرجان ضخم في القاعة الكبرى بقصر اليونسكو برعاية رئيس الجمهورية يومذاك اللواء فؤاد شهاب وحضور جمع مميّز من رجال الفكر والسياسة والأدب والشعر من لبنان وأرجاء من البلدان العربية.
وقد تناوب على الكلام في الاحتفال إلى جانب الرئيس صائب سلام ممثلاً لرئيس الجمهورية والدولة اللبنانية الراعية، كلّ من الأدباء اللبنانيين الذين خطبوا نثراً، وهم الشيخ عبد الله العلايلي، أنطوان قازان، حافظ المنذر، سعيد عقل، وعفيف الطيبي، ثم أربعة من أهم الشعراء العرب آنذاك، فتباروا في تكريم الأخطل الصغير بقصائد من عيون الشعر، هم: صالح جودت باسم الجامعة العربية، عمر أبو ريشة باسم الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسورية)، محمد مهدي الجواهري باسم العراق، وأمين نخلة باسم لبنان.
وكان الحدث الأبرز في ذلك المهرجان أن هؤلاء الأربعة انتهزوا المناسبة الفريدة لمبايعة الأخطل الصغير إمارة الشعر، بعد مرور ثلاثة عقود على شغور هذا المنصب المعنوي الكبير بوفاة أمير الشعراء أحمد شوقي سنة 1932.
لقد استهلّ أمين نخلة المبايعة باسم لبنان حيث قال في مطلع قصيدته:
أيقولون أخطلٌ، وصغيرُ؟ / أنتَ في دولةِ القوافي أميرُ
فاسحَبِ الذَيْلَ ما تشاءٌ وجَرِّرْ / إنَّ مُلْكَ البيانِ مُلْكٌ كبيرُ
وطابقت هذه المبايعة ما ورد في قصيدة عمر أبو ريشة الذي قال مخاطباً لبنان:
جمعتهُمُ شِيَمُ الوفاءِ لماردٍ / في الشِعرِ جَوّابِ الأعالي قاهرِ
ضفروا له من دَوْحِ أرزِكَ تاجَهُ / أكرِمْ بمضفورٍ لهُ وبضافِرِ
يكفيك أن تلقاهُ يُطلعُ دولة / من مجدِ أقلامٍ وعزِّ منابرِ
ومما قاله سعيد عقل:
"أنا الذي قال يا شِعْرُ ابْكِهِ وأَجِدْ / من قبْلِ ما كان لا يا شِعْرُ لم تَكُنِ".
وما قاله محمد الفيتوري
أنتَ في لبنانَ، والشِّعرُ له / في رُبَى لُبنانَ عَرشٌ ومُقامُ
شادَهُ الأخطلُ قَصراً عالياً / يَزْلُقُ الضَّوءُ عليه والغمَامُ
أما الجواهري فقد جاءت قصيدته في مجملها مبايعة كاملة رفع فيها الأخطل الصغير إلى أعلى مراتب الخلود:
لبنانُ يا خَمري وطيبي / هلاّ لَمَمْتَ حُطامَ كوبي
ثم جاءَت المبايعة بالعبارة الواضحة في قصيدة صالح جودت ممثل الجامعة العربية حيث قال:
كلُّ تلكَ المعادِنِ المختارةْ / صاغَ منها حبيبُنا أوتارهْ
وجَلا من خُيوطِها أشعارهْ / فَعَقَدْنَا لهُ لِواءَ الإمارةْ
واختتم شاعر المناسبة الأخطل الصغير في مهرجان مبايعته بقصيدة قال فيها:
أَليَوْمَ أصبحتُ لا شَمسي ولا قَمري؟ / مَنْ ذا يُغَنّي على عودٍ بلا وتَرِ
إنّ القوافي إذا جاذَبتُها نفَرَتْ / رَعَتْ شَبابي وخانتني على كِبَرِ
كأنّها ما ارْتَوَتْ من أدْمُعي ودَمي / ولا غَذَّتْها ليالي الوَجدِ والسَّهَرِ
أينَ القصائدُ تُنْدي من جَوانِحِها / رَيْحانَةَ السَّفْحِ أو أُغنيَّةَ النَّهَرِ
شعرٌ كما شاءَهُ الإبداعُ مُبْتَكَرٌ / تَدفَّقتْ فيه أمواجٌ من الصُوَرِ
غنّى العُروبَةَ ألحانًا مُجنّحةً / من دَمعةِ الليلِ أو من بَسمةِ السَحَرِ
من صَخرِ لبنانَ من شلاّلِ قِرْنتِهِ / وما تَسلسَلَ من آياتِهِ البُكُرِ
ما لي بأضوعَ ما في الروضِ أنشرُهُ / على المفارقِ من إخواني الغُرَرِ
صُغْتُ القريضَ وما لي في القريضِ يدٌ / يدُ الطبيعةِ فيه أو يدُ القَدَرِ
إنَّ المواهبَ لا فضلٌ لِصاحِبِها / كالصوتِ للطيرِ أو كالنَفحِ للزهَرِ
وأخيراً يروى عن الشاعر أمين نخلة، أن البريد حمل إليه ذات يوم رسالة معنونة إلى "أمير الشعراء" فلما رأى عنوانها أحالها إلى الشاعر عمر أبو ريشة، فأحالها أبو ريشة إلى الشاعر بشارة عبد الله الخوري "الأخطل الصغير"، فأحالها هذا بدوره إلى الشاعر بدوي الجبل، وظلت الرسالة تنتقل من شاعر كبير إلى آخر دون أن يجرؤ أحد من هؤلاء على تسلمها.
بعد هذا الاختزال حول الشعر وإمارته ترى أين انتهت تلك الإمارة؟ وهل الإمارة هي شخص الشاعر أم قصيدته.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :128,283,488

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"