القمع الفكري وأثره في كتابة التاريخ /ج9

نزار السامرائي
ليس هناك من هم أبرعُ من رجالِ الدين في توظيف النص القرآني في غير أغراضه، ويفسرونه على الهوى والرغبات الآنية وبما يرضي سلطانهم، لا سيما في تفسير الآية الكريمة، بسم الله الرحمن الرحيم "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" صدق الله العظيم.

فجعلوا من طاعة ولي الأمر حكما في كل المواضع والظروف، وأغفل المحرفون كلمة أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وتشبثوا بكلمة أولي الأمر منكم وكأنها جزيرة مقطوعة عما سبقها من حكم طاعة الله ورسوله، ثم الانتقال إلى طاعة أولي الأمر على شرط أن تكون طاعتهم امتداد لطاعة الله والرسول، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطبيق شرع الله، فأين التطبيع مع الكيان من طاعة الله ورسوله؟ ألأن ولي الأمر قد أمر بذلك؟
4 – وجوه المجتمع والمثقفون والأدباء والفنانون وحملة الشهادات والشهادات العليا والموظفون، وهؤلاء ثقل اجتماعي كبير ولكنه بات مهمشا ومعزولاً عن وسطه الاجتماعي الذي عليه أن يتحرك فيه، لقد أشغل المتسلطون هذا الوسط بهموم المعيشة والوظيفة والخدمات، حتى لم يعد لدى هذه الفئة أن تفكر بهموم المجتمع وأزماته أو تفكر بطرائق النهوض به أو التخطيط لمستقبل أفضل.
وهناك في هذا الوسط نماذج تتقلب في مواقفها السياسية المعادية للحكم الوطني وكأنها داخلة في مزايدات النفاق والتقرب من إيران، وبرز هذا النمط من السلوك الشائن عن أوساط ما يسمى بالمتدينين الجدد الذين يريدون التغطية على ماضٍ ملوثٍ بكل ما يعيب الإنسان، ويسعون للتكفير عن ماضٍ مزدحم بكثير من الموبقات الشخصية فما كان منهم إلا أن حولوها إلى موبقات سياسية.
لم يتوقف الذين تسلطوا على الحكم في عراق ما بعد الاحتلال عند هذا الحد، بل تعززت الخطوات التطبيقية المتسارعة من قبل القوى الشيعية المسيطرة والتي تسلمت مفتاح الحكم من الاحتلال الأمريكي بعد أن سلمته مفتاح العراق يوم تآمرت على منحه الذرائع لغزوه، إذ شنت حملة كراهية على كل من يعارض نهجها ونهبها للبلاد، وقد اعتمدت أسلوب تعدد مراحل المواجهة، ففي المرحلة الأولى استغلت انخراط المناطق السنية في مواجهة المحتلين الأمريكان، ووظفت الاستعداد النفسي بل الحماسة الكافية لدى قادة قوات الاحتلال لشن حملات ملاحقة وتصفيات جماعية تحت لافتة محاربة الإرهاب السُنّي وتمت ملاحقة سكان تلك المناطق مع قوات الاحتلال بلا هوادة وتحولت السجون والمعتقلات ومقار الاحزاب الطائفية إلى مراكز تعذيب وحشي لمئات الآلاف من السنة، وبعد أن ظنت أن الأجواء صفت لها انخرطت بأكبر عملية سطو على المال العام وممتلكات الدولة التي نقلتها بأمانة بالغة إلى إيران، ولهذا نرى تلك المليشيات بعد أن استفردت بالمناطق الجنوبية تعاملت معها بكل وحشية وقسوة كما حصل في التعاطي مع انتفاضة 1 تشرين الأول 2019.
نعود إلى السؤال الذي طرحناه في هذه المقالة، ما هي الصبغة المذهبية للحكم الحالي في العراق؟
لو حاولنا تعداد العينات التي تؤكد شيعية الحكم القائم في العراق حاليا، على الرغم من الشكوك المطروحة حول النسب السكانية المعتمدة، في فرض شكل الحكم وطبيعته وأدواته، لألفينا أن سلوك السلطة القائمة يرتكز على جعل التشيّع قاعدة لشكلية لها من أجل خداع الشيعة البسطاء أولا ومن أجل تطمين مصالحها الخاصة ثانيا، ولنأخذ منصب رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة وجميع المناصب العليا وخاصة الأمنية والقيادات العسكرية والوزارات السيادية، فهي ممنوحة حكرا للشيعة وحتى الوزراء السُنّة فإنّ وجودهم وجودٌ شكلي لا قيمة له، إذ يتم تعين موظفين من الأحزاب والمليشيات يرصدون كل صغيرة وكبيرة ويحصون على الوزير السني ملفات فساده من أجل التحكّم به والسيطرة عليه واقتسام الغنيمة معه، كي لا يخرج عن إرادة مالك الحكم الحقيقي، وفي صورة أخرى فإن الوقف الشيعي تمدد على الأوقاف السُنيّة وصادر كثيرا من ممتلكات الوقف السُنّي وأمواله وسط صمت مخزٍ من هذا الوقف ومن نواب السُنّة ووزرائهم.
أما الكليات العسكرية فإنها باتت مركزا لتخريج الضباط من غير المؤهلين أي من غير الحاصلين على شهادة الدراسة الثانوية من عناصر المليشيات والأحزاب الطائفية، وبالتالي يجعل من الضباط المتخرجين مجرد واجهات فضفاضة لمؤسسة عسكرية عريقة ظلت محل فخر العراقيين منذ تأسيس الجيش العراقي عام 1921 وهو الجيش الذي سحق الإيرانيين في ملحمة القادسية الثانية عام 1988.
ومن مظاهر التدني في التعامل مع المؤسسة العسكرية أن الكلية العسكرية وضعت في بطاقة التعريف الدين والانتماء المذهبي، فكل شيء صار محاصصة معيبة في بلد حضاري مثل العراق، محاصصة الطرف المالك مع الأجير، وإيغالاً في تكريس الطائفية جعلوا ترديد قسم الولاء للعراق أثناء تخرج الدورات العسكرية في كربلاء، في سابقة فريدة أن يؤدى يمينُ الولاء للمذهب وليس للوطن، أي أن المذهب أصبح هو المقدس الأول ولم يقيموا للوطن أي اعتبار، لأن الوطن أي العراق يعني التميّز، وهذا ما لا تريده إيران ولا ترضى به بأي حال.
ولكن هل تختفي الحقيقة وراء من بيده السلاح لغرض القتل أو التهجير أو الإذلال فقط؟ أم أن الطرف المهان الكرامة يتحمل جانبا من وزر ما يعانيه؟
إن تزيين الباطل للمتسلطين وتصويره حقاً محسوماً، من قبل بعض الذين ارتدوا لباس رجال الدين ظلما وعدوانا على علماء المسلمين، أو بعض من شيوخ الصدفة الذين زحفوا على مواقع ليست لهم، بسبب ظروف شاذة عاشها العراق خلال السنوات السابقة، هو الجزء الثاني من صورة التعسف الواقع على العرب السُنّة في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي، ولعل المجلدات والأسفار تضيق بالحوادث المخجلة التي يظهر فيها بعض من هؤلاء المنافقين الانتهازيين الطامعين، على حساب أهلهم وعشيرتهم بالمغانم والمكاسب، شخصيا كنت أعرف رجل دين سنّي قبل عام 2003 ولا أريد الاسترسال في خطبه وأحاديثه ولكنني أكتفي بعينة واحدة من التغيير الدراماتيكي الذي طرأ على سلوكه الانتهازي، فكان عندما يذكر حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (فلا ترجعوا من بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعضو إلى آخر الحديث، فهذا المعمم يقول "فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي" ولكن هذا المعمم وبمجرد أن جاء الاحتلال وتمكنت إيران من فرض عملائها كحكام على العراق، إلا وكان يغير بوصلته 180 درجة ليغير كلمة سنتي بكلمة عترتي، إذا ما نبههم أحدٌ على خطأ الطريق الذي يسلكوه فتراهم يستأسدون على أبناء ملتهم في حركة استعراضية خائبة للتغطية على تخاذلهم وخنوعهم وخضوعهم للطرف الأخر الذي يحتقرهم كلما وجد فيهم اندفاعا أكثر في إظهار الولاء له والتعالي على ملتهم.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :130,457,562

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"