نساء الصين يعملن على إحياء لغة تاريخية استخدمت للتمرد على السلطات والمجتمع

في إحدى المقاطعات الصينية التي تقع معظم بيوتها ضمن قرى صغيرة على سفوح جبال تفصل بينها أودية وأنهار وحقول أرز ممتدة، تحاول نساء مقاطعة هونان إحياء لغة النوشو القديمة، التي تعد الكتابة الوحيدة في العالم التي ابتكرتها النساء ولا يستخدمها سواهن.


بحسب ما نشرت شبكة "BBC" البريطانية الخميس 8 تشرين الأول/ اكتوبر 2020 فإن كتابة النوشو قد ازدهرت في القرن التاسع عشر في مقاطعة هونان، لتمكين النساء من قوميات هان وياو ومياو، من ممارسة حقوقهن في حرية التعبير، التي كانت غائبة في الكثير من هذه المجتمعات آنذاك.

يرى بعض الخبراء أن جذور هذه الكتابة، التي كانت حكراً على النساء، تعود إلى عهد أسرة سونغ من عام 960 إلى عام 1279 ميلادياً، وبعضهم يرى أنها تعود لعهد أسرة شانغ الحاكمة قبل أكثر من 3000 عام، حيث كانت الفتيات يتعلمن كتابة النوشو عن أمهاتهن القرويات ويمارسنها مع أخواتهن وصديقاتهن في المجتمع الصيني الإقطاعي في وقت كانت تُحرم فيه النساء من فرص التعليم.

تشير الشبكة إلى أنه من اللافت أن هذه الكتابة غير المنطوقة، لم يعرفها أحد من خارج مقاطعة هونان لمئات أو ربما لآلاف السنين، ولم يصل صداها إلى مسامع العالم الخارجي إلا في الثمانينيات من القرن الماضي.


تاريخ عريق

تمثل كتابة النوشو، التي تُقرأ من اليمين إلى اليسار، مزيجاً من اللهجات الأربع التي يتحدثها سكان جيانغيونغ. ويمثل كل رمز مقطعاً من كلمة، وكانت تُكتب باستخدام عصي الخيزران الحادة وحبر كن يصنعنه من البقايا المحروقة في أواني القلي.

اتخذت النساء من كتابة النوشو وسيلة للتأقلم مع الصعوبات الاجتماعية والمنزلية وساعدتهن على توطيد أواصر الصداقة مع النساء في القرى المجاورة. وطرزت النساء على المحارم وأغطية الرأس والمراوح والأحزمة القطنية كلمات مبهجة عن السعادة والصداقة بلغة النوشو، وكن يتبادلنها معاً.

ورغم أن النساء لم يتحدثن النوشو، إلا أنهن كن في مجالسهن ينشدن أغاني أو يلقين أشعاراً متنوعة تراوحت من أشعار الأطفال إلى معايدات أعياد الميلاد أو أشعار عن الندم والأسف، أو الشكوى من الزواج باستخدام عبارات وتعبيرات من النوشو.

كانت النساء الأكبر سناً يؤلفن أغاني يحكين فيها لصديقاتهن عن تجاربهن البائسة أو ينشرن من خلالها قيماً أخلاقية ويعلمن الأخريات كيف يصبحن زوجات صالحات بالتحلي بالعفة والورع والاحترام.

وبينما يرى الباحثون الآن أن النوشو كانت وسيلة للتواصل بين النساء اللائي لم تتح لهن الفرصة لتعلم القراءة والكتابة باللغة الصينية، فإنها كانت قديماً توصف بأنها شفرة خاصة بالنساء للتمرد على المجتمع الأبوي في هذا الوقت.

إذ لم يكن مقبولاً آنذاك أن تعبر النساء على الملأ عن الندم على تجارب خاصة أو عن مشاعر الحزن أو الأسى أو أن تشتكي علانية من صعوبات الحياة. وأصبحت النوشو بمثابة متنفس للنساء وساعدتهن على إقامة روابط صداقة فيما بينهن يساندن من خلالها بعضهن بعضاً في مجتمع يهيمن عليه الذكور.

كانت هذه الروابط تعرف باسم مجموعات "الأخوات المُحلفات"، التي كانت كل منها تتألف عادة من ثلاث أو أربع شابات لا تربطهن صلة قرابة، وكن يتعهدن بالحفاظ على الصداقة بكتابة خطابات أو إنشاد أغان بلغة النوشو لبعضهن بعضاً. ورغم أن هؤلاء الشابات كن يرغمن على طاعة الذكور في عائلاتهن، إلا أنهن كن يجدن عزاءهن في التحدث إلى رفيقاتهن المقربات.


إعادة إحياء

فبعد مرور 16 عاماً على وفاة يانغ هواني، آخر "متحدثة" تتقن هذه الشفرة القديمة، تستعيد هذه اللغة المكتوبة التي لا يعرفها إلا القليلون بعضاً من مكانتها وأهميتها. وتتركز جهود إحياء اللغة في قرية بواي الصغيرة، المحاطة بنهر سياو ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر جسر معلق صغير.

في عام 2006، أدرج مجلس شؤون الدولة الصيني كتابة النوشو ضمن قائمة التراث الثقافي الوطني غير المادي، وبعدها بعام، شُيد متحف في جزيرة بواي، حيث تعمل سين هو، كواحدة من المترجمات أو "الوارثات" السبع للغة، وتعلمت القراءة والكتابة والغناء والتطريز بلغة النوشو.

قبل ذلك، في عام 2000، دُشنت مدرسة نوشو في جزيرة بواي، وقررت سين أن تلتحق بها أسوة بأمها وأختها. وتدرّس سين الآن للطلاب كتابة النوشو، وتصطحب الزوار في جولات حول المتحف، وأصبحت سين وجهاً للغة نوشو، وتجوب أنحاء آسيا وأوروبا في رحلات ترويجية للغة.

تقول سين إن بعض الوريثات تعلمن اللغة عن جداتهن منذ الصغر، مثل هي يانسين، أكبر وريثة للغة، التي تجاوزت الثمانين الآن. ويعشق الناس اللغة لأنهم يعتقدون أن هذه الثقافة فريدة من نوعها ويرغبون في تعلمها وفهمها.


المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :130,483,898

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"