انتحار أطفال «التحرير» في العراق

هيفاء زنكنة

تم الاعلان، في الشهور الاخيرة، عن حالات انتحار في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وإيطاليا وألمانيا جراء انتشار فايروس كورونا، والاجراءات المتخذة لتفادي الاصابة به التي سببت آثارا نفسية واجتماعية عميقة كالاحساس « بالضيق والقلق والخوف من العدوى والاكتئاب والأرق بين عامة السكان.

وتؤدي العزلة الاجتماعية وعدم اليقين والتوتر المزمن والصعوبات الاقتصادية إلى تطور أو تفاقم الاكتئاب والقلق».
ولاتقف الاعراض عند هذا الحد بل تتجاوزها الى «إلى زيادة معدلات الانتحار أثناء الجائحة وبعدها» حسب البحث العلمي الذي اجراه بروفسور ليو شير ونُشر في دورية الطب الدولية بنيويورك. ويأتي الاهتمام بهذه الجوانب تزامنا مع اليوم العالمي للصحة العقلية المصادف 10 أكتوبر/ تشرين الاول.
يُلاحظ، في الوقت نفسه، ما نشرته الصحافة العراقية والعربية، عن ازدياد حالات الانتحار في العراق، ووصفها بأنها مرعبة، اذ بلغت 293 حالة، خلال الستة اشهر الاولى من 2020، فقط، وتتميز بانتحار الذكور أكثر من الاناث. فهل سبب ذلك، كما في الدول الغربية، هو انتشار الفايروس وما يصاحبه من « عدم اليقين بشأن المستقبل» والاضطرابات النفسية جراء الحرمان الاقتصادي، كما تخبرنا الدراسات العلمية، أم ان ما يتعرض له المواطن العراقي مختلف تماما او متعدد المستويات مما يُسّرع برغبته في الانتحار؟
ليس بالامكان انكار تأثير الجائحة على نفسية وحياة المواطنين، خاصة مع تجاوز عدد الاصابات اليومية الآلاف نتيجة انهيار الجهاز الصحي وتخوف الناس من التوجه الى المستشفيات. الا ان فهم الارقام الحالية لحالات الانتحار ومدى ارتباطها بالجائحة، يحتاج الى مراجعة الحالات في الاعوام الماضية. ففي عام 2006، نقل موقع « رليف وب» التابع للأمم المتحدة، في مقال « ضغوطات العنف تقود الى الانتحار» تصريحا لوزارة الصحة، بناء على إحصاءات من مشرحة ومستشفيات بغداد في خمس مناطق، إن نحو 20 شخصا ينتحرون كل شهر. وقال أحمد فتاح، عضو إدارة التحقيق في الانتحار بوزارة الصحة، إن «الأرقام مرتفعة بالمقارنة مع تلك التي كانت موجودة قبل عام 2003، عندما كان لدينا حالة انتحار واحدة أو اثنتين في الشهر». وتشير ورقة بحثية بعنوان « الدراسة الوطنية العراقية لطرق الانتحار: تقرير عن معطيات الانتحار في 2015 و 2016» المنشورة في دورية « الاضطرابات النفسية» عام 2017، الى 647 حالة انتحار في 13 محافظة من مجموع 18. معظم الحالات لشباب تحت سن 29 وأغلبهم من الذكور. مع ازدياد ملحوظ في عام 2016 بالمقارنة مع 2015. ربع الحالات سببها اضطرابات نفسية، أكثره شيوعا هو الاكتئاب، مع أقلية تعاني من صدمة نفسية (15.5٪)ومشاكل مالية (12.4٪) أو إساءة معاملة اثناء الطفولة (2.2٪).
ونشرت لجنة حقوق الإنسان البرلمانية تقريرها لعام 2018 بينت فيه ارتفاع عدد الحالات من 383 خلال عام 2016 إلى 519 في 2018. تدل هذه المراجعة على ان الزيادة مستمرة، تدريجيا، منذ عام الغزو الانكلو أمريكي، أي قبل غزو جائحة الكورونا بـ 17 عاما، وانها ليست، كما في الغرب، السبب الوحيد لحالات الانتحار.

ما هي الاسباب الرئيسية اذن؟ في عام 2006، صرّح د. أحمد فتاح بسوداوية موجعة: «اليوم ينتحر الكبار، لكن لن يمر وقت طويل قبل أن يبدأ الأطفال أيضًا في الانتحار». فهل ما نشهده اليوم، اذن، هو انتحار اطفال الامس؟ هل هم الذين كبروا تحت الاحتلال، واستمرارية العنف والتهديد اليومي بالقتل، والخراب الاقتصادي، والتمييز الطائفي والعرقي، والنزوح القسري والتشرد، والفساد الناخر للبنية الاجتماعية؟ هل هم ابناء المليون مواطن ممن قتلوا اما بشكل مباشر او غير مباشر جراء الاحتلال؟ هل هم الخريجون العاطلون عن العمل أو النساء المعيلات للأيتام بعد قتل او سجن ازواجهن؟ اليست هذه الاسباب كافية لجعل العراقيين يعيشون تأثيرات نفسية وعقلية وجسدية لا تقل ضررا عن تأثيرات جائحة كوفيد؟
« أربعون في المائة من الأطفال العراقيين يعانون من أمراض عقلية». تقول الاخصائية النفسية د. الهام الدوري « كذلك الحال بالنسبة إلى 17 في المائة من الشباب، مما يجعل عدد الشباب المصابين بمستويات متباينة من الأمراض النفسية والعقلية يساوي خمسة ملايين وسبعة أعشار المليون، بالمقابل هناك 100 طبيب مختص، فقط، داخل العراق». لامفر للعراقي، اذن، من الضرر النفسي نتيجة العنف والنزوح والبطالة، حين يشعر الرجل بالعجز عن تأمين المعيشة لنفسه وعائلته، ويصيب النساء رشاش العنف المجتمعي والاسري بالاضافة الى كوابيس الحرب والتشرد والقلق الدائم على تعليم وصحة وحياة الاطفال. أن تدهور العلاقات العائلية الممتدة القديمة، وتدهور علاقات الجيرة التي تميز المجتمع الشرقي التقليدي ( وهما الجانبان اللذان كانا يؤمنان درجة من الرعاية النفسية للجميع من الطفولة الى الشيخوخة ) لم تعوضه اي خدمات من الدولة التي دمرت عمداً، وانهار معها التعليم المدرسي والقانون، ولم يعوضه أيضاً صعود التدين بما رافقه من خزعبلات وجهل، ومن تجارة وفساد أخلاقي ومالي.
في مقال مشترك لوزيرة التجارة الخارجية والتعاون الإنمائي الهولندية سيغريد كاج والعراقية د.هالة صباح جميل، نُشرت، أخيرا وصف الاثنان نظام الصحة العقلية الذي يعمل فيه مقدمو الرعاية العقلية في العراق « فيه فجوات كبيرة مثل حفر القنابل». وجه الاثنان الى وجوب الاهتمام بهذا الجانب، بالغ الاهمية، للأفراد والأسر والمجتمعات وصانعي القرار « حتى يتمكنوا من التعافي وإعادة البناء واستئناف سبل العيش وتعزيز المصالحة «. محذرين بانه ما دامت هذه الفجوات موجودة، تزداد معاناة النازحين والمصابين بصدمات نفسية لأن «الصدمات تتراكم، بمرور الوقت، ويصبح العلاج أكثر صعوبة». ومعروف أن الصدمات النفسية والكآبة من مقدمات العديد من الامراض المزمنة التي تستنزف قوة المجتمع وحيويته عموما.
المشكلة الاساسية التي نتلمسها بقوة اثناء قراءة هذه التصريحات والتقارير المتتالية، وهي تقارير انسانية نبيلة، كما تركيز يوم في السنة للوقاية من الانتحار، وهو ضروري للتنبيه الى جانب مُعاش ومهمل، ان هذه النشاطات، غالبا، ما تتجاهل، وهذا واضح جدا في حالة العراق، الاسباب الاعمق المؤدية الى فقدان الشباب الرغبة بالحياة أو التطلع الى ما هو أبعد من اليوم الذي يعيشونه. ويكمن سبب التغاضي عن التغيير الفعال، كون عمل المنظمات المحلية والدولية يرتبط بموافقة الحكومات ونظامها السياسي. مما يجعل نشاط المنظمات دواء مُسٌكنا للاوجاع وليس علاجا. وهي خطوة تحمل آثارا جانبية خطرة، حين لايعالج الوضع ككل بل يتم تفتيت القضايا دون المس بالاسباب الحقيقية. وإن ايجاد حل للصحة النفسية والعقلية، بالعراق، يتطلب ليس معالجة انعكاسات الجائحة، في الشهور الأخيرة، فحسب، ولكن التعامل معها، باعتبارها عمّقت بحلولها الخراب السياسي والاقتصادي والمجتمعي الموجود أساسا.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :130,483,660

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"