في حوار مع وجهات نظر، الدبلوماسي والأكاديمي العراقي عبدالواحد الجصاني: حتى لو قبل العراق وتركيا وإيران بالتعايش السلمي مع الدولة الكردية، فستبقى ‏أسيرة إرادات دول الجوار/ 2

الصورة: لقاءات القيادة الوطنية العراقية مع الزعامات الكردية لم تتوقف طيلة تسعينات القرن الماضي لتطوير قانون الحكم الذاتي في شمال العراق.

قال الدبلوماسي والأكاديمي العراقي المعروف، الدكتور عبدالواحد الجصاني، إن حق "تقرير المصير" كما وصَّفه القانون الدولي لا ينطبق على مواطني دولة العراق من القومية الكردية، كما لا ينطبق على الأكراد في أي من الدول المجاورة للعراق.

وأكد في حوار خاص أجرته معه صحيفة وجهات نظر أن أكراد العراق جزء من نسيج المجتمع العراقي، ولم يحصل تمييز ضدهم في أي وقت بسبب انتمائهم العرقي.

وشدد الدكتور الجصاني على أن ادّعاء الساسة الأكراد أنهم يمثلون حركة تحرر ‏وطني هو كلام باطل، مشيراً إلى ان "حقائق التاريخ القريب تؤكد أن هؤلاء الساسة قبلوا، ومنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، أن يكونوا حركة تمرد مسلحة تأتمر بأوامر ‏القوى الإقليمية والدولية التي تعمل على إضعاف العراق"، موضحاً أن "التاريخ يؤكد أن هؤلاء الساسة لم يتوافقوا مع أي من الحكومات التي مرَّت على العراق، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار".

وأضاف الدبلوماسي العراقي أنه "بالرغم من حرصنا على الوحدة الوطنية للعراق، فإن على العراقيين أن لا يتطيّروا من إجراء الأكراد لهذا الاستفتاء، بل وحتى إذا ما أعلنوا دولتهم المستقلة، موضحاً "تضطر أحياناً لأن ‏تترك المغامر المتهور يذهب إلى آخر الشوط لكي يكتشف فساد بضاعته، ثم يعود إلى حضن الوطن بأقل الخسائر".

وعن مستقبل الأوضاع في العراق في ظل الاجراءات الكردية المرتقبة، قال الدكتور الجصاني إن "الأكراد لم ‏يقبلوا بالحدود الإدارية لمحافظات السليمانية واربيل ودهوك، بل ابتدعوا في دستور عام 2005 موضوع (المناطق المتنازع عليها) ‏وهذا سيقود إلى صراع دموي على الأراضي والموارد لا أفق لنهايته، لأنّه مصطنع ولا يستند إلى أي منطق جغرافي أو ديموغرافي ‏أو تاريخي".

وعن موقف دول الجوار من (الدولة الكردية المزمعة) أكد "حتى لو ‏فرضنا أن الدول المجاورة قبلت بالتعايش السلمي مع الدولة الجديدة، فإن هذه الدولة ستكون، رغم العلم والدستور ومجلس الأمة، ‏أسيرة ارادات الدول الثلاث".

وتابع القول "إذا كان بعض ‏الأكراد يشكو اليوم من ظلم السلطة العراقية المُنشأة بعد الاحتلال، فغداً سيخسرون مظلة الدولة العراقية ويفتحون عليهم أطماع ثلاثة دول مجاورة ‏وأطماعاً أجنبية أخرى، وتصبح كردستان العراق أرضاً لا سيادة لأحد عليها، مثل أجزاء من الصومال الحالية".

وأكد أن "الأحزاب الكردية في العراق مشتتة الولاء لقوى خارجية: إيرانية وتركية و (إسرائيلية) وأميركية الخ... وهذه الولاءات المتناقضة يمنع ‏تصادمها حالياً ادِّعاءٌ مصطنعٌ بوجود عدو مشترك، إضافة إلى وجود موارد منهوبة من دولة فاسدة (هي العراق اليوم) بما يُرضي جميع الأحزاب، ولكن عندما ‏ينكشف هذا الغطاء ستتفاقم الصراعات بين الولاءات، وستكون كردستان العراق في حالة أسوأ من وضع جنوب السودان، حيث ‏الاحتراب الداخلي يأخذ مأخذه".

وبخصوص العامل الدولي في دعم انفصال أكراد شمال العراق، أوضح الدبلوماسي الجصاني "لم تعد (القضية الكردية) عنصراً هاماً في سياسات كثير من الدول الغربية، بعد ان أصبح العراق منهكاً ولا حاجة لطرف محلّي يُنهكه ‏أكثر، كما كان يجري في السابق، لذلك فإن تعويل الأكراد على الدعم الغربي  لهم هو تعويل غير واقعي" مشيراً إلى أنه "حتى الولايات المتحدة التي ترى في الأكراد ثاني أكبر ‏حليف لهم في المنطقة بعد (إسرائيل) تخشى التورط في (المستنقع الكردي) لأن آفاق نجاح هذه (الدولة) شبه معدومة"‎.‎

وحول طريقة التعامل مع مخططات الانفصال والشرذمة قال الدكتور الجصاني "يتوجّب على المثقفين العراقيين تكثيف جهودهم في نشر قيم الوطنية والوحدة والمستقبل المشترك، مع تركيز على المواطنين العراقيين الأكراد، وإبراز ‏مخاطر جنوح المغامرين السياسيين إلى المساس بهذه الوحدة".‎

وفيما يأتي الجزء الثاني من الحوار..

*في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية وخارطة التوازنات ومشاريع رسم الخرائط ‏الجديدة للمنطقة، ماذا عن مواقف الدول المجاورة، وخاصة إيران وتركيا من ‏الدولة الكردية المنشودة؟
المنطقة الكردية أرض مغلقة‎ (Land lock) ‎فإن استقلَّت سيعتمد اقتصادها ‏على التجارة من خلال الدول المجاورة، وحتى لو ‏فرضنا أن الدول المجاورة قبلت ‏بالتعايش السلمي مع الدولة الجديدة، فإن هذه الدولة ستكون، رغم العلم والدستور ‏ومجلس الأمة، ‏أسيرة إرادات الدول الثلاث. لأنَّ عالم اليوم لا تحكمه المثل العليا ‏ولا القيم الأخلاقية، بل تحكمه المصالح المنفلتة، وإذا كان بعض ‏الأكراد يشكو ‏اليوم من ظلم السلطة العراقية المُنشَأة بعد الاحتلال، وهي،  بالمناسبة ، تظلم ‏جميع العراقيين، فغداً سيخسرون مظلّة الدولة العراقية ويفتحون عليهم أطماع ‏ثلاثة دول مجاورة ‏وأطماعاً أجنبية أخرى، وتصبح كردستان العراق أرضاً (لا ‏سيادة لأحد عليها) أو كما تسمى بالتعبير القانوني (‏No man s ‎land‏) مثل أجزاء من الصومال الحالية.‏
عالم اليوم يتحكَّم فيه الكبار، فيما الصغار يبقون أفلاكاً تدور حول الأجرام الكبيرة، ‏ولقد وَعَتْ أوروبا هذه الحقيقة ‏وأقامت الاتحاد الأوروبي لكي تستطيع أن تكون ‏كتلة ذات اعتبار بين الكتلتين الأميركية والروسية، وكذا عملت دول أخرى لتشكيل ‏‏تجمعات اقتصادية قادرة على المنافسة مثل أسيان وبريكس، فأي استقلال وسيادة ‏يرجوها الجزء المجزّأ؟! 


*باعتقادي هناك مشكلة تعدد الولاءات بل وتناقض أحياناً بين الجهات السياسية ‏الكردية، فكيف سيتم التعايش في (دولة واحدة) مع هذه الولاءات والمصالح ‏المختلفة؟
صحيح، فالأحزاب الكردية في العراق مشتتة الولاء لقوى خارجية: إيرانية وتركية ‏و (إسرائيلية) وأميركية الخ... وهذه الولاءات المتناقضة يمنع ‏تصادمها حالياً ‏ادّعاء مصطنعٌ بوجود عدوٍّ مشترك، إضافة إلى وجود موارد منهوبة من دولة ‏فاسدة (العراق) بما يُرضي جميع الأحزاب، ولكن عندما ‏ينكشف هذا الغطاء ‏ستتفاقم الصراعات بين الولاءات، وستكون كردستان العراق في حالٍ أسوأ من ‏وضع جنوب السودان، حيث ‏الاحتراب الداخلي يأخذ مأخذه.‏
طيلة السنوات الماضية كان النسيج الاجتماعي في العراق موحَّداً إلى حدٍّ كبير، ‏وكانت هناك علاقات تصاهرٍ وجيرةٍ وشراكةٍ وصداقةٍ بين العرب والأكراد، فكيف ‏سيكون الحال مع قيام (الدولة) الكردية المنشودة؟
علاقات المكان والزمان لأكراد العراق مع عرب العراق أقوى من علاقاتهم مع ‏أكراد ايران وسوريا وتركيا، ولعل كثيرين يجهلون ‏أن المدينة التي يعيش فيها ‏أكبر عدد من الأكراد في العراق هي بغداد! لذا سيأتي الانفصال بكوارث اجتماعية ‏واقتصادية وثقافية لإنه مناقضٌ لحركة التاريخ ‏والجغرافيا وتمزيقٌ لنسيج ‏اجتماعي امتد لآلاف السنين‎.‎‏ 


‏*وماذا عن عدد الأكراد في العراق، هل تعتقد أن الأرقام التي يُعلن عنها ساستهم ‏صحيحة وقريبة من الدقة، أم لا؟
لقد صدّق الأكراد الأرقام المبالَغ فيها التي ينشرونها عن أعدادهم، خاصة بعد أن ‏عملوا من خلال السفارات العراقية التي تولّوا إدارتها في أوروبا ‏بعد الاحتلال على ‏تسجيل المقيمين واللاجئين الأكراد في أوروبا على أنهم من مواليد كركوك، ‏استعداداً لاستفتاءٍ لم يحصل. لكن هذا التضخيم ‏المفتعل لأعدادهم سينكشف، ‏ويصبح مأزقهم مثل مأزق (إسرائيل) الديموغرافي‎.‎‏ 


‏*وكيف ننظر إلى العامل الدولي في قضية انفصال كردستان عن العراق؟
لم تعد (القضية الكردية) عنصراً هاماً في سياسات كثير من الدول الغربية، بعد أن ‏أصبح العراق منهكاً ولا حاجة لطرف محلّي يُنهكه ‏أكثر، كما كان يجري في ‏السابق، لذلك فإنَّ تعويل الأكراد على الدعم الغربي  لهم هو تعويلٌ غير واقعي، ‏وحتى الولايات المتحدة التي ترى في الأكراد ثاني أهم ‏حليف لهم في المنطقة بعد ‏‏(إسرائيل) تخشى التورط في (المستنقع الكردي) لأن آفاق نجاح هذه (الدولة) شبه ‏معدومة‎.‎‏ ‏


‏*هل تعتقدون أن هناك احتمالاً لتأجيل هذا الاستفتاء، رغم التأكيد الدائم لرئيس ‏الاقليم الكردي في شمال العراق، مسعود بارزاني، على إجرائه في موعده المحدد ‏وعدم التراجع عن ذلك؟
آمل، وأتوقع، أن يؤجل بارزاني الاستفتاء، فرغم الضخِّ الإعلامي وأحلام قيام ‏الدولة الكردية أو كردستان الكبرى، يبقى هذا الهدف طوباويٌ لا يسنده أيُّ أساسٍ ‏سياسيٍ أو اقتصاديٍ أو ‏أمنيٍ أو اجتماعيٍ راسخ. الشعوب تبحث اليوم عن التنمية ‏وعن الرفاه وعن الاستقرار وتربية الأبناء في بيئة آمنة، ولا تريد الانفصال الذي ‏يجلب الحروب والفقر والتشرد.‏


‏*في تقديركم، ماذا يتوجَّب على العراقيين في حال إجراء هذا الاستفتاء وإعلان ‏نتائجه بتأييد انفصال شمال العراق عنه، حيث يُتوقع أن تكون النتائج شبه مطلقة ‏على ذلك؟
بصرف النظر عن إجراء الاستفتاء أو عدمه، فإنه يتوجّب على المثقفين العراقيين ‏تكثيف جهودهم في نشر قيم الوطنية والوحدة والمستقبل المشترك، مع تركيز على ‏المواطنين العراقيين الأكراد، وإبراز ‏مخاطر جنوح المغامرين السياسيين إلى ‏المساس بهذه الوحدة.‏‎

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :99,114,257

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"