عن الفيل الذي في الغرفة!

عبداللطيف السعدون

ترك الإنجليز، بعد رحيلهم عن بلادنا قبل عقود، أمثالاً كثيرة شائعة بينهم، والتي انتقلت إلى ‏بعضٍ ممن زامنوهم من العراقيين الذين نقلوها إلى الأجيال التي لحقت بهم.

 

واحد من هذه الأمثال يروي ‏حكاية فيلٍ يقيم في غرفةٍ، يشاركه فيها بعض من البشر، ولأن هؤلاء يحاولون الحفاظ على سلامتهم أولاً، ‏وخوفاً من هجوم الفيل عليهم، يعقدون معه نوعاً من السلام المؤقت إلى غاية ما تسعفهم الظروف بالخروج ‏من الغرفة، أو انتظار ساعة فرجٍ تأتي على يد آخرين، ينهضون بمهمة إخراجه من الغرفة أو ترويضه، ‏فيما يقضي من هم خارج الغرفة نهاراتهم ولياليهم في نقاشاتٍ بيزنطية، حول أوضاعهم الماثلة، لا يخرجون ‏منها بنتيجة، لكنهم يتجاهلون وجود الفيل في الغرفة، والذي هو سبب كل البلاء الذي يحدق بهم.‏

يحدث هذا عندنا كل يوم، حيث يستعيد المعنيون أخباراً وتقارير متواترة، تتناول تطوراتٍ استجدت في ‏المشهد العراقي الراهن، يأملون أنها ستحل مشكلات البلاد، فيما يتجاهلون، ربما عن عمد، المعضلة ‏الأساسية التي ينبغي أن تتوجّه الجهود إلى استئصالها، وهي معضلة وجود "عملية سياسية" طائفية، ‏شرعنها المحتلون، ودستور هجين رسم خطوطه العريضة بيتر غالبريث، صاحب كتاب "نهاية العراق"، ‏وأقرّته سلطة غير شرعية نصبها الأجنبي، يتجاهل هؤلاء المعنيون وجود "الفيل في الغرفة"، ولا يتصدّون ‏لإخراجه. ‏

ولأن المشهد العراقي في حالة سيولة دائمة، تختلط فيها الاتجاهات والأفكار والمشارب، فإن وسائل التواصل ‏تجد فرصتها سانحةً في تلفيق الأخبار، أو في رش الملح على وقائع حقيقية، كي تجذب عين المتلقي ‏وسمعه، وتضعه في دائرة أمل وترقب، فيما تحجب عنه الرؤية الحقيقية لواقع الحال الماثل الذي يحيط به، ‏فزيارة مقتدى الصدر السعودية اعتبرت بداية الحل السحري لمشكلات البلاد، وقيل إنها ستفتح الطريق بقدرة ‏قادر لعودة العراق إلى الحضن العربي، وتمكّنه من أن يعاود دوره قوة فاعلة على المستويين، الإقليمي ‏والدولي.

واعتبر آخرون توافق التيار الصدري مع التيار المدني في الرأي، بخصوص تجاوز التقسيم ‏الطائفي للمواقع الأساسية في الدولة مدخلاً مقبولاً لتغييرٍ يرونه قائماً في الأفق، يقضي على إشكالية التنازع ‏الطائفي الذي أقرّته "العملية السياسية"، واستبشروا خيراً بمقولةٍ منسوبة للصدر، في أنه يوافق على المجيء ‏بشخصية علمانية لرئاسة الوزراء في المرحلة المقبلة. وبلغ الشطط ببعضهم، مرجّحاً أن يرشح الصدر ‏شخصية شيوعية لهذا المنصب، وبلغ به الخيال حد تسمية سكرتير الحزب الشيوعي، رائد فهمي، وظهرت ‏تغريدات على "تويتر" تبشر الناس بقرب تحقيق أملهم في "الوطن الحر والشعب السعيد".!

وعلى الضفة الأخرى، اشتعلت وسائل التواصل بخبر إجراء حوار بين البعثيين والأميركيين، ووصف ‏بعضهم استقبالاً مزعوماً لوفد الحزب في واشنطن من مسؤولين في الخارجية والدفاع، واحتفل بعض ‏مناصريه بقرب العودة إلى السلطة، وغرقوا في التفاؤل إلى درجة الحديث بما يشبه اليقين عن إنهاء الوجود ‏الإيراني في العراق بقرار أميركي، وتوفير مستلزمات الأمن فيه، وحسم تداعيات الاحتلال، وطرد أفراد ‏‏"النخبة السياسية" التي جاءت بعد الغزو، وإعادة أموال العراق التي سرقوها، وتعهد الأميركيين بتعويض ‏خسائر العراق، هذا كله بجرة قلم خفيفة!

وأيضاً، فإن إعلان بعض سدنة "العملية السياسية" الطائفية عن تكتلات وأحزاب جديدة، استعداداً لانتخابات ‏العام المقبل دفعت بعضهم إلى تصديق أكذوبة نهاية المحاصصة الطائفية الذين كانوا هم في مقدمة من ‏عمل على ترسيخها وإدامتها.‏

بقي من أدركه اليأس من الحال، ورأى هؤلاء الحل في هدم المعبد على ساكنيه، وشرعوا يروّجون نبوءة ‏سوداء، مفادها بأن العراقيين سيلاقون حتفهم جميعاً على مدى ربع قرن من الآن، وإنْ على مراحل، لأن ‏أدمغتهم أصبحت محاطةً بجدار من الرصاص، جرّاء استخدامهم رابع أثيلات الرصاص الذي تنفثه ‏السيارات، باستعمالها البنزين غير المحسّن. وعقب عالم عراقي على ذلك بالقول "الحكام الحاليون هم ‏الأخطر على سلامة الشعب العراقي من أية مادة سامة، بما فيها رابع أثيلات الرصاص"، مدللاً على ذلك ‏بأن الحكومة انتبهت إلى خطورة هذه المشكلة، وخصصت 86 مليار دينار لمعالجتها، غير أن هذا المبلغ ‏اختفى بقدرة قادر.‏

هكذا تعلمنا الأيام أن انشغالات القوم بأمور كهذه لن تنفع في آخر المطاف، ولا سبيل للحل سوى ‏الاعتراف بوجود الفيل في الغرفة، والتضامن من أجل إخراجه والقضاء عليه، وبعد ذلك لينصرف كل طرف ‏لمداراة حاله.‏

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :99,114,182

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"