كردستان العراق: مَنْ هو محامي الطلاق؟!

الصورة: ليفي مع البيشمركة في خطوط القتال بشمال العراق. أرشيفية.

صبحي حديدي

هل كان ينقص قضية حقوق الكرد القومية عموماً، ومشروع استفتاء إقليم كردستان العراق تحديداً، محامي دفاع من طراز المتفلسف الفرنسي برنار هنري ليفي، مهندس كارثة التدخل الفرنسي في ليبيا، المؤمن بأنّ جيش الاحتلال الصهيوني هو الأكثر ديمقراطية بين كلّ جيوش العالم، المساند المطلق لحروب الكيان الصهيوني ضدّ غزّة واستمرار حصار القطاع؟ وإذا جاز أن تكون الانتهازية الأشدّ ابتذالاً هي مبعث امتطائه للقضايا العادلة، على نحو يقلب الحقّ باطلاً، فلماذا يتوجب على الكرد قبول هذا النمط من محاماة زائفة وكاذبة وخبيثة؟

 

بعد شريط وثائقي بعنوان «البيشمركه» (عُرض في مهرجان كان السينمائي!)، وآخر بعنوان «معركة الموصل»، نشر ليفي مقالة تطالب بالعدالة لكردستان (وهذه كلمة حقّ)، لأنّ الإقليم واحة ديمقراطية وعلمانية وحيدة في محيط من الدكتاتوريات، على رأسها إيران وتركيا (وهنا الباطل، أياً كان موقف المرء من نظام الحكم في البلدين المذكورين)، وأمّا العراق/ البلد، ذاته، فإنه «كيان اصطنعه البريطانيون»! وبين السينما والمقالة، فإنّ المتفلسف لا ينسى انحيازه الأعمى لـ(دولة إسرائيل)، أو اشمئزازه من «البربرية ذات الوجه الإنساني» كما يقول عنوان أحد مؤلفاته.

والحال أنّ محاماة تعتمد هذه المحاكمة الجوفاء، لملفّ بالغ التعقيد والتشابك مثل الاستفتاء على استقلال الإقليم، لن تنفع قضية الكرد في شيء، إذا لم تتسبب في إلحاق الأذى بمشروعيتها ومصداقيتها، فضلاً عن تنفير شرائح من المتعاطفين والمساندين ممّن لا يفوتهم التمييز بين الحقّ البسيط، وما يتشوّه من جوهر ذلك الحقّ إياه جرّاء نفاق أمثال ليفي. ومطلوب، في المقابل، أن تدرك حكومة الإقليم إشكاليات الاستفتاء كافة، وما سيترتب عليه من نتائج وعواقب، ليس بمعنى الاكتفاء بوضع مصالح المواطنين الكرد في سلّم أولوية عليا منفردة متميزة، بل بوضع تلك المصالح في سياقاتها السياسية والاجتماعية والديمغرافية والثقافية التي تخصّ المكوّنات الأخرى ضمن النطاق الجغرافي للاستفتاء.

ومن المتفق عليه أنّ كركوك هي النموذج الأبرز على معادلة برميل النفط، حامل الثروة، الذي قد ينقلب إلى برميل بارود، لا يحمل سوى الدمار. صحيح أنّ غالبية السكان من الكرد (ملاحظة من هيئة تحرير وجهات نظر: غالبية السكان في الأصل من التركمان والعرب، والأكراد في المدينة أقلية، لكن الحزبين الكرديين استقدموا اليها الاف الأشخاص في أعقاب احتلال العراق لتغيير ديموغرافيتها)، ولعلّ المدينة هي العاصمة الأمثل لكردستان مستقبلية مستقلة في العراق، إلا أنّ الوجود السكاني للعرب والتركمان لا يستوجب منحهم ما يستحقونه من حقوق مختلفة، فحسب، بل يشكّل بوّابة لامتداد نطاق النزاع إلى الجوار التركي، وربما تدويله أيضاً، إذا اختارت إيران أن تعرب عن معارضتها للاستفتاء، ولاستقلال الكرد إجمالاً، بوسائل تتجاوز اللفظ والبيان! هذا فضلاً عن حقيقة اضطرار الإقليم إلى مسالمة تركيا، إذا شاءت استمرار تصدير النفط بمعزل عن السلطة المركزية في بغداد، عبر الأنبوب المارّ من الأراضي التركية.

فإذا تعقل الكرد ورفضوا خدمات المحامي الفرنسي المتفلسف، فهل يتكئون على خطاب المحاباة الخجول الذي قد يصدر عن هذا أو ذاك من ممثلي الإدارة الأميركية، بما في ذلك تغريدات الرئيس دونالد ترمب نفسه؟ المرء يلمس هذا التوجه في لقاءات مسؤولي حكومة الإقليم مع ديريك هارفي، مسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي، ومع بريت ماكغورك، المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى التحالف الدولي في العراق. كأنّ الذاكرة الكردية المعاصرة تتناسى مأساة الكرد مع الإدارات الأميركية المتعاقبة، حين يتصل الأمر بقرارات ملموسة إزاء مسائل استقلال الكرد، أو حقوقهم الوطنية الجوهرية: من مبادئ وودرو ولسون حول "حقّ تقرير المصير"، إلى "المنطقة الآمنة" التي أوهمهم بها جورج بوش الأب، والتاريخ سجلّ يشهد…

ولعلّ الذاكرة ذاتها تستعيد محامياً ثالثاً، هو ستافان ديمستورا، دون سواه! لقد تولى ملفّ كركوك سنة 2009، ولم تكن حصيلته أفضل حالاً مما يقدّم اليوم في الملفّ السوري…

فأيّ محامٍ، سوى الشعب الكردي ذاته، ولذاته، وأية محاماة، سوى مصالحه في قلب جواره التاريخي والثقافي والسياسي والاقتصادي.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :99,114,236

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"