لماذا التغيير الديموغرافي بالعراق؟

الصورة: الاعتقالات واحدة من أساليب التغيير الديموغرافي في العراق.

ماجد السامرائي

تداولت وسائل الإعلام العراقية خبرا مفاده أن مجلس محافظة بابل اتخذ قرارا بمنع أهالي ناحية جرف ‏الصخر من العودة إلى ديارهم. وادعى المجلس أن سبب قراره وجود داعشيين بين أهل المدينة المنكوبة. ‏وأثار هذا القرار الشاذ ردود أفعال شعبية واسعة لمخالفته جميع القوانين والأعراف والمعايير الإنسانية ‏والأخلاقية، كما أن المجلس بقراره هذا تدخّل في الشؤون السياسية مع أن دوره خدمي بالأساس، حتى أن ‏رئيس الوزراء حيدر العبادي وصفه بغير المقبول.‏

 

هذا القرار بمنع أهل مدينة يتجاوز عدد سكانها 80 ألف نسمة من العودة إلى ديارهم يؤشر على الحدود ‏التي وصلت إليها الحالة العراقية، وهو مثال من بين العشرات من الأمثلة التي واجه فيها أهالي مدن ذات ‏صبغة طائفية معيّنة نفس المصير، لكن تلك الإجراءات الظالمة تتم من دون ضجيج ولا تتابعها وسائل ‏الإعلام.‏

الوصف الدقيق والواقعي لتلك الإجراءات التي تشمل جغرافية المدن العربية السنية هو التغيير الديموغرافي، ‏وهي عملية ابتدأت فعليا منذ بداية الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وشملت حزام بغداد ومدنا كثيرة ‏خصوصا الأنبار. كان هدف العزل الأميركي عسكريا وضع المقاومين لقواته من المسلحين السنّة داخل ‏دوائر ضيّقة يسهل اقتناصهم داخلها، وكانت منطلقات الاحتلال الأميركي تقسيم مجتمع العراق وتهميش ‏طائفة كبيرة وحيّة فيه عبر مسوّغات وأوهام وسياسات تقاسمتها واشنطن وطهران تقول لأحزاب الحكم الجديد ‏إن السنة هم حاضنة حكم صدام حسين، وبعده تنظيم داعش، وإن السلطة لكم الآن ولكي تحافظوا عليها ‏فلا بد من إجراء عملية تهميش طويلة المدى بحق هذه “الطائفة المارقة”.‏

وكانت الخطوة الأميركية الأولى هي حل الجيش الوطني العراقي وإصدار قانون اجتثاث البعث الذي تحوّل ‏إلى مادة للانتقام والكراهية البعيدة عن قيم عرب العراق، وليس قانونا عادلا للاقتصاص ممّن تورطوا في ‏انتهاكات ضد مواطنين عراقيين.‏

كان هدف الاحتلال الأميركي زرع الأحقاد والكراهية وليس قيام السلم الأهلي وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها ‏التقليدية. لقد التقطت إيران هذا المخطط وكيفته لمشروعها الإمبراطوري وأوهمت العرب الشيعة بأنه لصالح ‏تسيّد طائفتهم.‏

إن مشروع التغيير الديموغرافي ليس حالة جديدة يعيشها العراق فقط، فقد اُستخدم ضد أمم وشعوب أخرى ‏واجهت تغييرات ديموغرافية تم فرضها، وأدّتْ إلى إبادة وتشريد وتهجير الملايين من الناس وفقا لتبعيتهم ‏السياسية والقومية والدينية، فقد تمت إبادة ما يزيد عن 112 مليون إنسان بينهم 18.5 مليون من الهنود ‏الحمر قُتِلوا ودُمِرَت قُرَاهم ومُدُنهم لتقوم الإمبراطورية الأميركية، بالإضافة إلى العشرات من العمليات ‏الأخرى للتغيير التي قامت بها روسيا بحق الشركس في القوقاز، وتلك التي قام بها جوزيف ستالين بحق ‏كل من التتار والشيشان والأنغوش والبلغار والأتراك المسخيت والقراشاي من القرم وشمال القوقاز إلى ‏المناطق النائية في سيبريا، حيث قُتِلَ زُهاء 90 ألف شخص خلال عمليات التهجير القسرية تلك. كل ذلك ‏بغرض إقامة إمبراطوريات على أسس دينية أو قومية أو سياسية، أي اتباع السياسة الميكافيلية التي ‏عرضها ميكافيلي في كتابه الأمير قائـلا “من يصبح حاكمـا لمدينـة حرّة ولا يدمّرها فليتوقع أن تقضي هي ‏عليه لأنها ستجد الدافع دائما للتمرد باسم الحرية وباسم أحوالها القديمة، فالناس لا تتخلى عن ذكريات ‏حريتها القديمة بسهولة، لذلك فإن الطريقة الأكيدة إما أن تخرّبها وإما أن تقيم فيها”.‏

وجدت إيران في مثل هذا المشروع وسيلة نافذة لبسط نفوذها عبر إقناع الزعماء السياسيين الشيعة في ‏العراق بأن وجود الطائفة العربية السنية يعني بقاء الخطر على الحكم قائما. مشروع التغيير الديموغرافي ‏اعتمد على قاعدة ذهبية وفرها الأميركان على المستوى العالمي والعراقي والسوري بشكل خاص وهي ‏محاربة الإرهاب وتم توطين هذه القاعدة الأمنية في العراق. وارتبط هذا البرنامج بالمتغيرات الأمنية وكان ‏أكثرها بشاعة ما حصل في 22 فبراير عام 2006، حيث تم تفجير مرقد الإمامين العسكريين بسامراء.‏

التفصيلات لحالة التغيير الديموغرافي في العراق كثيرة لا تسعها سطـور هـذه المقالة وقد تابعتها المنظمات ‏الإنسانية العالمية، مثل منظمة هيومن رايتس ووتش، وبعض الحقوقيين العراقيين من السنة والشيعة، ولكن ‏باختصار شديد فقد شملت جغرافيتها المناطق المختلطة بين الطائفتين السنيـة والشيعية، ويفاجأ الإنسان بما ‏حصل في عاصمة العراق ذات التنوع الاجتماعي حيث قام الاحتلال الأميركي بتقسيمها وبناء الجدران ‏العازلة بين أحيائها لتسهيل عملياته العسكرية، ولكن ما حصل بعد ذلك هو حالة مريبة تذرّع منفذوها ‏بالأمن الذي لم يتحقق حين تم تقسيم جانبي الكرخ والرصافة إلى أحياء شيعية وأخرى سنية، وارتبطت تلك ‏التقسيمات بعمليات التهجير القسري والاختياري وحرق المساجد.‏

أما المحافظات الأخرى فتمثل محافظة ديالى في مقدمة ما واجهته تلك المحافظات ذات النسيج المختلط ‏من عمليات القتل والتهجير، حيث تتحدث الإحصائيات عن مقتل حوالي 79 ألـف شخص مـن السنة، ‏وبلغ عدد المعتقلين أكثر من 49 ألف شخص، فيما بلغ عدد المخطوفين حوالي 27 ألف شخـص، ‏ومحـافظة البصرة التي حصلـت على نصيبها من عملية التغيير الديموغرافي، وكذلك محافظة بابل في مدن ‏كالمسيب والمحاويل والإسكندرية، وقد أدت وتيرة الأحداث بعد ظهور تنظيم داعش وسيطرته على ناحية ‏جرف الصخر إلى تعرض هذه المدينة إلى عمليات مسلّحة بعد استعادتها من قبـل الحكـومة وتم تفجير ‏المنازل وتجريف البساتين فيها، ولا يزال أهلها الـذين يبلغ عددهم حوالي 80 ألف نسمة محرومون حتى ‏اللحظة من العودة إليها.‏

وهناك عمليات مستمرة حاليا في حزام بغداد تتم خلالها انتهاكات صارخة في الاعتقال والتهجير وتجريف ‏البساتين تحت غطاء مطاردة فلول داعش، أما محافظتا نينـوى وكركـوك فتعيشان وضعـا مختلفـا إلى حد ‏كبير، حيث يقل الاحتكاك الطائفي لقلة الشيعة فيهما، إلا أن المشكلة الأكثر تأثيرا هناك هي المشكلة ‏القومية. فالموصل المدينة ذات الأغلبية العربية السنية مازال أهلها ينظرون بكثير من التوجّس تجاه ‏الأحـزاب الكـردية التي يقـولون إنها تطمع في اقتطاع وقضم مناطق من المحافظة لضمها إلى كردستان ‏والـدولة الكرديـة المقبلـة، وأكثر المتضررين منها هم المسيحيون في سهل نينوى، لا سيما بعد سيطرة داعش ‏على المدينة، أما في المناطق الأخرى فقد تم تجريف قرى العرب ومنعوا من العودة خاصة في زمار ووانة ‏وسد الموصل وربيعة وسنجار والشيخان ومخمور والكوير والخـازر وسهـل نينوى، حيـث مـازال التهجير ‏مستمرا وبكـافة أشكـاله من بيع العقارات إلى انتزاعها إلى التخريب المتعمّد.‏

أما في كركوك فقد بلغ الصراع القومي بين العرب والأكراد والتركمان أشدّه خاصة في مركز المحافظة ‏الغنية بالنفط، والذي مازالت تقطنه أكثرية تركمانية، لكن الأكراد يريدون ضمها إليهم كمدينة كردية، فيما ‏يطالب العرب ببسط سلطة المركز عليها كجزء من العراق ويشكل العرب الأغلبية من سكان قضاء ‏الحويجة، لكنهم تعرضوا خلال السنوات الماضية إلى حملات تهجير واستهداف من قبل جهات كردية ‏تعتبر المدينة “قدس كردستان” وعاصمتها المستقبلية.‏

إن الخطر الأكبر الذي يواجهـه العـراق هو مشروع التغييـر الديمـوغرافي الـذي تنفذه جهات إيرانية أو موالية ‏لإيران، ويعبّر عن طموحات إمبراطورية مرتبطة بولاية الفقيه، حيث لا تريد طهران قيام إقليميْن سني ‏وشيعي (شيعستان وسنيستان) في الجزء العربي من العراق إذا ما خسرت الجزء الكردي فيه. المطلوب أن ‏يصبح كل العراق تحت ولاية الفقيه. لقد أرادوا تهديم بلوكات المحافظات العربية السنية لمنع “سنيستان” ‏ولتكون جميع مدن العراق ومحافظاته تحت ولايـة مذهبية واحدة، وهذا هو معنى التغيير الديموغرافي الذي ‏ينفّذ حاليا.‏

المشروع لا يستهدف العرب السنة فقط وإنما العرب الشيعة أيضا، لأنه يرتبط بنظرية الولاء المذهبي العابر ‏للوطنية، وفي ظل هذه الحالة الخطيرة لا مكان للاستقرار السياسي والاجتماعي ولا لإمكانيات محتملة لقيام ‏نظام مدني مستقر يمنح جميع المواطنين حقوقهم ومن بينها حرية تنقلهم داخل أرض العراق.‏

وسيصبح التقسيم مطلبا للأمن الاجتماعي وللذين يشعرون بأنهم مهمّشون، وسيكون مثل هذا الخيار المرّ ‏معرقلا لعملية التغيير الديموغرافي المرتبط بالقوى الخارجية، فهذا المشروع ليس صناعة محلية ومن ‏المستبعد أن تفكر أو تنفذه الأحزاب الشيعية التقليدية خصوصا القوى العروبية المعتدلة، وهي ذات ثقل ‏كبير في الشارع الشيعي، كما أن أبناء الشيعة لا يتعاطفون مع مشروع التغيير الديموغرافي، وخيارهم ‏الحقيقي مع إخوتهم العرب السنة ولو افترضنا قيام النظام المدني اللاطائفي لوجدنا كيف تعود لحمة أهل ‏العراق قوية بلا أحقاد ولا كراهية.‏

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :99,114,178

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"