الدرس الإيراني.. عربياً

محمد أبو رمان

بالرغم من وجود قراءات عديدة ومتضاربة في تفسير الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة وأسبابها، التي أدت إلى مقتل واعتقال العشرات ومواجهات كبيرة بين المحتجين وقوات الأمن الإيرانية، إلاّ أنّ هنالك اتفاقاً بين أغلب تلك القراءات على بعض النقاط المهمة في قراءة المشهد الإيراني اليوم.

 

يتفق أغلب المحللين أنّهّا احتجاجات مرتبطة، ابتداءً، بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية، قبل أن تمتد إلى الطلاب والناشطين السياسيين، وعلى أنّها مختلفة تماماً عن احتجاجات 2009، التي تلت الانتخابات وعملية التزوير، وكانت بقيادة التيار الإصلاحي والثورة الخضراء.

على النقيض مما حدث في العام 2009 فإنّ الاحتجاجات الحالية لم تلق قبولاً من قبل قيادات التيارين الإصلاحي والمحافظ، اللذين أخذا يتبادلان الاتهامات وتغليب منظور "المؤامرة" في رؤية ما يحدث، لذلك المحتجّون بلا أب شرعي، يعترف بهم ويقودهم، بالرغم من الحديث عن بعض المراجع الدينية ورموز التيار المحافظ، الذين أعلنوا براءتهم مما يحدث!

بالإضافة إلى ما سبق فإنّ هنالك اشتراكاً بين أغلب القراءات بأنّ الاحتجاجات الحالية لا تملك أفقاً سياسياً، فهي مرتبطة بأوضاع اقتصادية، حتى وإن ارتدت لباساً سياسياً في بعض الأحيان، واشتبكت مع السياسة الخارجية، ورفعت شعارات مناوئة للقيادات المحافظة والإصلاحية على السواء، فإنّها ما تزال هلامية، بلا روافع صلبة في الداخل، لذلك أغلب التوقعات أنّها ستتقلّص وتتراجع مع مرور الوقت.

عربياً انقسمت الأنظمة الرسمية العربية والأوساط الإعلامية ودخلت في حالة استقطاب شديد تجاه ما يحدث.

لكن ما غاب عن الإعلام العربي وسجالات السياسيين ونقاشاتهم، وهو الأهم عربياً، يتمثّل بالدروس المستفادة من الاحتجاجات الإيرانية، ومقارنتها بأحداث الربيع 2011.

من أهمّ الملاحظات هنا- من وجهة نظري- أنّ ثورات الربيع العربي كانت أقرب إلى الطبقة الوسطى منها إلى المهمّشين اقتصادياً والجائعين، فهي ثورات الطبقات الوسطى التكنوقراطية المثقفة، كما يحلل ويرصد المفكر الأميركي الشهير، فرانسيس فوكوياما (في كتابه الانحطاط السياسي)، بينما احتجاجات إيران ذات طابع اقتصادي صارخ، ومرتبطة بالطبقات الأقلّ شأناً، وتشمل التيارات المحافظة (الممسكة بالدولة العميقة) والإصلاحيين (قوى التغيير الموعود).

الآن روحاني في السلطة، لكنّه يفشل في تغيير الوضع الاقتصادي، وفي إحداث فرق نوعي وحقيقي في السياسات، لذلك نجد الاحتجاجات طاولته بالدرجة نفسها التي طاولت الآخرين، بمعنى أنّ  ثورات الربيع العربي كانت بمثابة طريق معتدل منطقي للتغيير المتدرّج، وتزاوجت فيها العوامل الاقتصادية مع السياسية (أزمات مالية واقتصادية مع إغلاق الأفق السياسي)، والحال أنّ الأحزاب الإسلامية التي وصلت إلى السلطة (اسمياً) إن لم تتمكن من تغيير الأوضاع الاقتصادية وتحدث فرقاً في السياسات وتعيد صوغ المعادلات بما يعزز قيم مكافحة الفساد والعدالة الاجتماعية، فإنّ الطوفان الآخر قادم المتمثل بثورات واحتجاجات المهمشين والمحرومين!

والحال نفسها تنطبق على أغلب الدول العربية، فثورات الربيع العربي (الطبقات الوسطى) ليست نهاية المطاف، بل بداية طريق مغاير في الواقع العربي، ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية فإنّ الاحتجاجات القادمة ستكون من الطبقات الأكثر بؤساً.

أغلب العالم العربي سيغرق في مشكلات اقتصادية وضغوط سكّانية كبيرة، وإن لم يتم إيجاد مخارج حقيقية اقتصادياً ومالياً فإنّ تزاوج الأزمة الاقتصادية بألعاب سياسية غير مقنعة، وباحتكار للسلطة، فهذه هي وصفة التوتر ليس فقط في إيران، بل في المنطقة بأسرها.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,790,756

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"