ترمب ورهانات السيسي

محمد سيف الدولة

((منذ ان التقيت بك في سبتمبر الماضي ولقد راهنت عليك .... واعجابي الشديد بشخصيتك المتفردة خاصة فيما يتعلق بمكافحة الارهاب....

بكل قوة وكل وضوح .. ستجدني انا ومصر بجانبك في تنفيذ هذه الاستراتيجية لمواجهة الارهاب والقضاء عليه....

ستجدني وبقوة داعم وبشدة كل الجهود التي ستبذل لإيجاد حل لقضية القرن في صفقة القرن، ال أنا متأكد ان فخامة الرئيس سيستطيع أن ينجزها)) ـ السيسي لترمب في البيت الابيض ـ ابريل 2017(1)

***

 

((فخامة الرئيس .. نحن نحترمكم ونقدركم.. ولكم شخصية متفردة قادرة على فعل المستحيل)) ـ السيسي لترمب على هامش مؤتمر الامم المتحدة ـ سبتمبر 2017 (2)

***

((انا أوجه ندائي للرئيس الأميركى .. الرئيس ترمب .. أقول له فخامة الرئيس.. اني اثق بك وفي كلامك وفي قدرتك على انك ستكون مهمتك الاولى هى مواجهة الارهاب في العالم .. انا متأكد يا فخامة الرئيس انك قادر على تنفيذ هذا الأمر)) مناشدة السيسي لترمب بعد مذبحة المنيا ـ مايو 2017 (3)

***

احتفى السيسي ومؤسساته وأركان نظامه وخبراؤه الاستراتيجيون والعسكريون وأذرعهم الاعلامية بنجاح دونالد ترمب، احتفالا منقطع النظير، الى الدرجة التي شبهه احد كتاب الاهرام "النافذين" بالمهدي المنتظر(4).

وكتب المدير الاسبق للشؤون المعنوية للقوات المسلحة، سلسلة مقالات في هذا الشأن يقول في احداهن بعنوان "صعبان عليهم أن تفرح مصر": (( كيف لا تتفاءلون برؤية مصر وهى تستعيد مكانتها الدولية، وثقلها السياسي؟ وكيف لا تتفاءلون لرؤية الرئيس المصرى يحرك المياه الراكدة، ويتفق مع الرئيس الأميركي على حلٍ عادل للقضية الفلسطينية ... قضية القرن؟)) (5).

والأمثلة كثيرة.

·      ولم يكتفِ السيسي بالاحتفاء، بل اصدر من التصريحات واتخذ من المواقف والقرارات ما خرج عن حدود ما تستدعيه العزة والكرامة الوطنية والتقاليد الرئاسية والدبلوماسية، فقال له على سبيل المثال لا الحصر، في لقائهما الاول في البيت الابيض، لقد راهنت عليك، وانت شخصية فريدة، وستجدني بجانبك في مكافحة الارهاب وفي صفقة القرن.

·      بل انه ارتكب إحدى الكبائر الوطنية والدبلوماسية حين امر البعثة المصرية في الامم المتحدة بسحب قرارها بإدانة المستوطنات الصهيونية بعد مكالمة تليفونية من ترمب طلب فيها منه ذلك.

·      وحين وقع العدوان الارهابي على حافلات الاقباط بالمنيا في مايو 2017، استنجد السيسي بالرئيس الأميركي علانية وعلى الملأ في كلمة مسجلة أذيعت على شاشة التليفزيون المصري، في سابقة هي الاولى من نوعها.

·      ناهيك عن قبوله المشاركة في لقاء السعودية المهين، الذى تم حشد فيه الملوك والرؤساء العرب والمسلمين لمقابلة الرئيس الأميركى، على طريقة عمال التراحيل حين يقوم بجمعهم مقاولو الأنفار او على طريقة تلاميذ المدارس حين تحشدهم اجهزة الامن في الشوارع والميادين للهتاف لمواكب الملوك والرؤساء.

·      والأهم من كل ما سبق، هو قبوله الزج بمصر في تحالف عربي صهيوني تحت القيادة الأميركية لمواجهة ما يسمونه بالمخاطر المشتركة التي تهدد المنطقة.(6)

***

ورغم كل هذا الترحيب والاحتفاء والاحتفال والرهان والمبايعة، جاءت النتائج كارثية!

فلم يستجب ترمب لمناشدات السيسي وَعَبَدالله وسلمان وغيرهم من القادة العرب الذين ناشدوه بالتراجع عن اعلان قراره بالاعتراف بالقدس عاصمة لـ(اسرائيل)، لما سيسببه لهم من حرج بالغ امام شعوبهم. ولكنه استخف بهم جميعا وأصدر القرار.

ولم يكن من الممكن ان يفعلها بالطبع بدون ان يكلف اجهزته قبلها ببحث واستطلاع ردود الأفعال المتوقعة من الدول العربية الرئيسية في المنطقة ومدى اضرارها بالعلاقات والمصالح الأميركية في المنطقة.

وواضح ان تقارير الاجهزة والمؤسسات الأميركية جاءت كلها لتطمئنه من ان اتباعه وحلفائه من القادة العرب لن يفعلوا شيئا يمكن ان يضر الولايات المتحدة. وَمصر الرسمية تحت قيادة عَبدالفتاح السيسي كانت واحدة من هؤلاء.

***

وكيف لا وهو لم يكف عن ارسال الرسالة تلو الأخرى لترمب ونتنياهو والمجتمع الدولي عن السلام الرائع بين مصر و (اسرائيل) وعن العلاقات العميقة والثقة والطمأنينة بينهما، بالإضافة الى اشاداته المتعددة بنتنياهو وتشويهه للفلسطينيين التي كان ابرزها خطابه الأخير في الامم المتحدة، الذى ناشد فيه "الشعب الاسرائيلي" للوقوف خلف نتنياهو كرجل سلام، بينما طلب من الفلسطينيين ان يثبتوا للعالم انهم يريدون السلام وكأنهم هم الجناة وليسوا الضحايا (7) ، الأمر الذي اعطى مصداقية لأكاذيب نتنياهو حول (الارهاب الفلسطيني)، وحول ان الدول العربية الكبرى أصبحت تنظر لأ(اسرائيل) كحليف وليس كعدو، وان فلسطين لم تعد تمثل بالنسبة اليهم قضية اساسية او مركزية، وهي المواقف والتصريحات التي لا شك انها مهّدت لقرار ترمب حول القدس.

***

لم يكن هذا هو الرهان الخاسر الوحيد الذي اتخذه السيسي، فقضايا وملفات الفشل متعددة، منها :

·      ملف سد النهضة التي عجز حتى تاريخه عن تأمين مصر من مخاطره.

·      وملف الاصلاح الاقتصادي الذي طبقه وفقا لروشتات وتعليمات صندوق النقد الدولي التي عصفت بمدخرات المصريين وبقدراتهم الشرائية وزجَّت بمزيد من طبقات الشعب المصرى في دائرة الفقر والعوز.

·      وملف الارهاب في سيناء وخارجها الذي اسقط مئات من الشهداء.

·      وملف ما تبقى من السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية الذي تلقى ضربة غادرة وصاعقة بعد تنازله عن جزيرتي تيران وصنافير مما ادى الى صناعة شرخ جديد في الضمير الوطني المصري اضيف الى الشروخ القديمة المزمنة بين الشعب والسلطة.

·      وملف العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات والصراع الطبقي الذى يزداد حدة يوما بعد آخر بعد سلسلة السياسات الاقتصادية المنحازة الى شريحة  الـ 10 % الاغنى في مصر مثل مشروع  العاصمة الجديدة وأمثاله.

·      ومثل ملف القروض والديون التي اغرقت مصر بأجيالها الحالية والقادمة، لبناء مشروعات مشكوك في جدواها الاقتصادية مثل مشروع تفريعة قناة السويس.

·      وملف النظام الدستوري والحياة السياسية والديمقراطية والانتخابات وتداول السلطة والمشاركة فيها، الذى تم القضاء عليها تماما بعد أن دمج عمليا كل السلطات تحت يده وهيمنته هو والسلطة التنفيذية، وبعد ان أغلق الحياة السياسية وأمم البرلمان والاعلام وحاصر وحظر كل معارض او رأي آخر من كافة التيارات.

·      ناهيك عن ملف الحريات وحقوق الانسان الذى وصل به السيسي الى وضع لم يرَه المصريون في احلك عصورهم .

***

في الدول الطبيعية و"شبه الطبيعية"، تتم محاسبة والحكام والحكومات والرؤساء والسلطات على فشلهم وهزائمهم ورهاناتهم الخاسرة.

ولكن من يجرؤ على محاسبة السيسي وكل من حذا حذوه في الدول العربية في مبايعة ترمب والتوقيع له على بياض؟

***

ولكن وإحقاقا للحق وقبل ان ننهى هذه السطور، يجب الاعتراف بأن رهان السيسي على ترمب لم يكن كله خاسرا، فلقد نجح بامتياز في تحقيق أهم أهدافه ودوافعه، وهو الفوز بالرضا والقبول والدعم الأميركى له ولنظامه، وكما قال ترمب للسيسى في لقائهم الأول في البيت الأبيض " لديك حليف وصديق في الولايات المتحدة الأميركية" (8).

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :110,601,281

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"