انتخابات بالإكراه

محمد سيف الدولة

بالإكراه سيقوم عبدالفتاح السيسي باعتلاء مقاليد الحكم في مصر لأربع سنوات أخرى على الاقل، بالانتهاك والتحدي لكل القواعد والممارسات الدستورية والقانونية والسياسية المنظمة لأي انتخابات حقيقية نزيهة، ليعيد الى مصر ما قد انقطع على أيدي ثورة يناير، من احتكار رجل واحد لرأس كل السلطات الى ما شاء الله.

***

 

كانت الصورة في الأيام الماضية شديدة الوضوح؛ اعتقال وتشويه سامي عنان، الاعتداء البدني على هشام جنينة، توقيف وترحيل وتهديد احمد شفيق، تلفيق قضية ماسة بالشرف لخالد علي، الحكم بالسجن 6 سنوات على أحمد قنصوة، اختيار مرشح صوري لتحليل وشرعنة الانتخابات، كلمات التهديد والوعيد الصريحة التي وردت في خطابه يوم الأربعاء 31 يناير الجاري، والتي شن فيها هجوما حادا على ثورة يناير، وأضاف القوى المدنية لأول مرة الى قائمة "أهل الشر" الذى يتحدث عنهم كثيرا، والتي كانوا حتى تاريخه يقتصرون على الاخوان المسلمين، واتهم كل المعارضة بالجهل في شؤون الدولة وعدم الصلاحية للمشاركة في الحكم أو حتى ابداء الرأي، واتهمها بتهديد أمن مصر واستقرارها، وتوعَّدها باتخاذ اجراءات بوليسية ضدها تماثل مع ما فعله مع الاخوان المسلمين..الخ.

مع ما واكب كل ذلك على امتداد عدة اسابيع من توظيف كل مؤسسات الدولة وكبار رجالها وكافة موظفيها لجمع توقيعات لحملة "علشان تبنيها" بالاضافة الى مئات الالاف من تفويضات الترشيح التي يكفي 25 الف منها، قيام اكثر من 500 نائب من برلمان الاجهزة الامنية لتفويض السيسي، هرولة كل الصحف والقنوات الفضائية لشيطنة اى مرشح جديد بمجرد ان يعلن عن نيته على خوض انتخابات الرئاسة.

***

ولكننا لم نكن نحتاج الى الانتظار الى ما قبل الانتخابات الرئاسية 2018 لكى نكتشف نية السيسي للتلاعب بها والاستيلاء على حكم مصر بلا منازع، فلقد كانت الحكاية واضحة وجلية منذ الايام الأولى لظهوره في المشهد السياسي وقيامه وباقى جماعة الثورة المضادة، بسلسلة من السياسات والاجراءات التي مهَّدت لما نحن فيه اليوم :

تجريد الشعب المصري من السلاح الوحيد الذى كان يمتلكه لمواجهة استبداد السلطة وجبروتها، بتجريم الحق في التظاهر الذى انتزعته ثورة يناير بعد عقود من الحظر، ودفعت في سبيله اثماناً باهظة من الدماء والشهداء. والزج بمئات من "الجناح المدني" من شباب الثورة في السجون والمعتقلات، ناهيك عن عشرات الآلاف من الاسلاميين.

تصفية أي وجود لشخصيات أو احزاب أو اطراف محسوبة على ثورة يناير، من اجهزة الدولة والحكومة، فتتم اقالة وزارة حازم الببلاوى التي تشكلت بعد 3 يوليو 2013 والتي كانت تضم شخصيات محسوبة على ثورة يناير مثل كمال ابو عيطة وحسام عيسى، بعد ان استنفذ اغراضه منها، واستخدمها كغطاء وساتر لبضعة شهور ليخفي نواياه بالعصف بشركائه وحلفائه في جبهة 30 يونيو، واقصائهم من الحياة السياسية.

مع فرض حصار امني وسياسي وإعلامي على احزابهم وقياداتهم، وإغراق المشهد بأحزاب ديكورية تابعة، تأتمر بأوامر الأجهزة الأمنية.

تسييس الاحكام القضائية وصدور احكام ادانة بالمؤبد والإعدام بالجملة، وتوسيع مدد الحبس الاحتياطي الى ما شاء الله، لتكون سيفاً على رقاب أي معارضة سياسية.

عودة التعذيب بأبشع صوره، واستحداث ظاهرة اجرامية جديدة لم يرها المجتمع المصري من قبل، وهى ظاهرة الاختفاء القسري.

انحياز الدولة له انحيازاً كاملاً في الانتخابات الرئاسية 2014 مع التلاعب في نتائجها، وعلى الاخص في أعداد المشاركين والناخبين، لكى يدعي انه حصل على نسب مشاركة وتأييد لم تحدث في انتخابات 2012.

تكليف الاجهزة الامنية بتشكيل برلمان موالي تماما للسيسي ومعادي لثورة يناير، مع استبعاد اى شخصيات تتسم بقدر ولو قليل من احترام الذات واستقلالية القرار، الى درجة استبعاد شخصيات عامة كانت ضمن الحملة الرئاسية الاولى للمشير.

تأميم الاعلام الرسمى والخاص، وادارته عبر خطاب اعلامي موحد، يشرف عليه ويوجهه ضباط تابعين لأجهزة الامن. وحظر الظهور فيه على أى صاحب رأي مخالف أو معارض. واختيار أردأ العناصر الامنية ليتصدروا المشهد السياسي والاعلامي.

وتشكيل ترسانة من الهيئات الاعلامية والصحفية لفرض القبضة الحديدة على الاعلام والاعلاميين والصحفيين، واختيار عناصرها من العناصر المعروفة بتبعيتها للأجهزة الامنية.

الضغط والحصار والتهديد للصحف الخاصة وملّاكها وهيئات تحريرها، لتفريغها من أي كتابات أو كتاب معارضين جذريين.

فرض الحظر على مئات المواقع الإلكترونية المعارضة والمستقلة، واستحداث تشريعات تتيح للسلطات مطاردة ومحاكمة وتجريم رواد وسائل التواصل الاجتماعي .

اطلاق حملات اعلامية لتشويه وشيطنة وكراهية ثورة يناير وكل من شارك فيها من الشخصيات والتيارات والقوى الوطنية.

 الانتهاك اليومي للنص الدستوري القاضي بأن السيادة للشعب وحده، بممارسات وقرارات وخطابات اعلامية وسياسية، تؤكد على ان السيادة للرئيس والدولة والجيش والشرطة، وتعتبر أي حديث عن الشعب حديث مكروه ومعادي.

والعودة الى زمن الفرعون والزعيم الاوحد وعصور "انا الدولة والدولة أنا"، وتخوين كل من يعارضه وتعريضه الى مخاطر جمة.

استنفار كل مؤسسات الدولة واعلامها للترويج والتبرير والدفاع عن كل قراراته وسياساته حتى لو كانت تتضمن التفريط في ارض الوطن أو التحالف مع العدو الصهيوني أو الخضوع التام للرئيس الأميركى، أو الاذعان لتعليمات صندوق النقد الدولي من تعويم للجنيه والغاء الدعم ورفع الاسعار وافقار الناس.

كسر ما تبقى من استقلال للقضاء، من خلال تحدي احكامه الباتة النهائية، لإرسال رسالة الى الجميع بأنه لا صوت يعلو على صوت عبدالفتاح السيسي، وهو ما ظهر جليا في صفقة تيران وصنافير.

نزع ما تبقى من استقلال الهيئات القضائية وهيئات التدريس بالجامعات، باصدار تشريعات جديدة تلغي حقها في اختيار وانتخاب قياداتها، وتستبدله بالتعيين بقرارات يصدرها رئيس الجمهورية.

والانتقام من اى قضاة او رؤساء مستقلين للهيئات الحكومية، مثلما حدث مع المستشارين هشام جنينة واحمد الدكروري.

حظر العمل السياسى بالجامعات، الذى كان من اهم مكتسبات ثورة يناير التي استطاعت ان تعيد الجامعة الى سابق عهدها ودورها في الاعداد والتربية الوطنية والسياسية لالاف الطلبة، وهو الدور الذى كان قد ألغاه انور السادات بعد اتفاقيات كامب ديفيد في 1978 بموجب اللائحة الطلابية 1979 التي حظرت العمل السياسي بالجامعة.

 مع اعادة الحرس الجامعي مرة اخرى، بعد أن تم الغته ثورة يناير، ليعود هذه المرة في شكل شركات أمن خاصة تابعة للاجهزة الامنية .

تأميم النقابات المهنية وعلى الأخص نقابة الصحفيين، وقمع دورها التاريخى كمنبر واسع للحريات وكحاضنة لكل التيارات السياسية ولكل اصوات المعارضة في مصر، الى مجرد مؤسسة تابعة للنظام تأتمر بتعليمات وتوجيهات الأجهزة الأمنية. من خلال اقتحام قوات الامن لحرمها وتلفيق قضايا لقياداتها النقابية.

***

لقد قام بتوظيف أخطاء الاخوان وأخطائنا جميعا والانقسام الحاد بين جناحي الثورة المدني والاسلامي، لإجهاض ثورة يناير وتصفية منجزاتها الديمقراطية من انتخابات نزيهة واشراف قضائي حقيقي ومنع التزوير واطلاق الحريات السياسية والنقابية والاعلامية والصحفية بلا أسقف، مع الحق في تداول السلطة وحق تشكيل الاحزاب والنقابات المستقلة وحق تنظيم المظاهرات وعقد الاجتماعات... فقام بالقضاء على كل هذه الحقوق والمكتسبات، تحت غطاء القضاء على الاخوان المسلمين، ليكتشف الجميع اليوم ان رقبة ثورة يناير وثوارها هي التي كانت مستهدفة وليس رقبة الاخوان وحدهم.

لقد كانت خريطة الطريق المعلنة هي اعداد دستور جديد وانتخابات رئاسية وبرلمانية حقيقية تشارك فيها القوى المدنية التي اشتكت وغضبت لاقصاء الاخوان لهم، ولكن الخريطة الفعلية كانت هى تصفية ثورة يناير ومكتسباتها وحرياتها والقضاء على ثوارها، مع اقصاء أشد قسوة وعنفا لكل القوى السياسية المصرية، لا فرق في ذلك بين مدني واسلامي.

***

للاسف لم يتعظ عبدالفتاح السيسي وجماعته مما جرى لحسنى مبارك وجماعته. فمصر تعيش اليوم حالة من الغليان قريبة الشبه بأجواء ديسمبر 2010 بل أسوأ منها بكثير. حفظها الله من كل سوء.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :102,781,177

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"