الأهداف الأميركية من استغلال مذبحة دوما الكيماوية

محمد زاهد غُل

ينبغي عدم النظر إلى التهديدات الأميركية الجديدة بمعاقبة قوات بشار الأسد لاستخدام الأسلحة الكيماوية في دوما وقتله أكثر من سبعين بريئاً، وإصابة المئات قبل أسبوع على أنها تهديدات من أجل الدفاع عن الشعب السوري أولاً، ولا على أنها مساعدة عسكرية للثورة السورية ثانياً، فهذه ليست أولويات أميركا، لا في الإدارة الأميركية ولا في أولويات وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أيضاً، فكل الأهداف الأميركية في سوريا هي من أجل اميركا ورؤيتها الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط والدول العربية، بما لها من موقع جغرافي اقتصادي وسياسي وأمني، وبالأخص على (الدولة الاسرائيلية).

وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهل حدة التصريحات الأميركية الأخيرة، وكذلك الردود الروسية عليها، التي بدت وكأنها فلتة صباحية من الرئيس الأميركي على التويتر، فاللهجة الرئاسية لترمب لم تكن معتادة في أميركا ولا في العالم، وهي أشبه بإعلان شن حرب على روسيا، فهو يقول منددا بالسياسة الروسية: «ينبغي ألا تكون روسيا شريكة لحيوان يقتل شعبه بالغاز ويستمتع بذلك». وقوله:» استعدي يا روسيا الصواريخ مقبلة»، وعندما رد رئيس لجنة الدفاع الروسية في الكرملين على هذه التهديدات بقوله: «إن روسيا سوف ترد على هذه الصواريخ ولديها القدرة على الرد»، غرّد ترمب قائلاً:» لتنتظر روسيا الصواريخ الأميركية الجميلة والجديدة والذكية»، وجاء الرد الروسي: «روسيا تأمل ألا تضطر لاستعمال رد تستخدم فيه قدراتها العسكرية». وطالب تصريح روسي آخر الرئيس الأميركي ترمب «بتوجيه هذه الصواريخ الذكية للإرهابيين وليس على مواقع الحكومة الشرعية»، كما شككت الخارجية الروسية بأهداف الضربة الأميركية وقالت: «قد يكون هدفها إضاعة أدلة الهجوم الكيماوي  المزعومة».

لقد وجه الرئيس الأميركي ترمب هذه التهديدات يوم الأربعاء 11 نيسان/ أبريل 2018، ولكنه في اليوم التالي كان أخف حدة وأقل تهديدا، وكذلك هدأت الردود الروسية، وهذا أمر لافت للنظر، وكأن الإدارة الأميركية، والبنتاغون قد أدركا أن رئيسهما ترمب قد ذهب بالتغريدات والتهديدات اكثر مما ينبغي، بدليل رفض المتحدث باسم البنتاغون التعليق على هذه التهديدات، وقال لا علم لهم بها، وطالب الصحافيين بالتوجه بالأسئلة حول هذه التهديدات العسكرية إلى البيت الأبيض وليس لوزارة الدفاع، فهذا دليل على أن ترمب وضع البنتاغون في حرج بتصريحاته وتهدياته غير الدبلوماسية وغير السياسية ولا العسكرية.

ومن التصريحات المهمة لتحليل هذه التهديدات معرفة الموقف الإيراني، فقد جاء فيه ما يهدأ من روع أتباعه وشعبه، فهو يقول:» إن أي ضربة أميركية محتملة على سوريا لن تغير في معادلات الميدان عسكرياً وسياسياً»، فهذا الموقف يشير إلى تلقي إيران رسائل من البنتاغون بأن الضربة المحتملة لن تكون مؤذية للوجود الإيراني العسكري ولا السياسي في سوريا، أي أن الضربة الأميركية ممكنة وقد تقع، بل الأرجح ان تقع، ولكنها ستكون ضربة وهمية وغير جدية، وقد تكون على المواقع العسكرية التي أخلاها جيش الأسد من طائرات حربية ومنظومات دفاع جوي وغيرها، والتي تم نقلها إلى القواعد الروسية الآمنة في سوريا، فالتفاهمات الإيرانية مع البنتاغون تضبط وتحمي التواجد العسكري الأميركي في أفغانستان والعراق والخليج وسوريا ولبنان أيضاً، والخلاف الإيراني الأميركي هو على درجة النفوذ الإيراني ومستواه ومواقعه الجغرافية فقط، بما فيها في سوريا.

لذا فإن الاحتمال الأرجح وقوع الضربة على مواقع قوات الأسد، وليس على القوات نفسها، بدون أن تكون قريبة بالضرورة، والهدف الأول هو رفع الحرج عن الرئيس الأميركي ترمب الذي لطالما انتقد سلفه باراك أوباما، الذي لم ينفذ تهديداته للأسد إذا تجاوز الخطوط الحمر عند استعمال السلاح الكيماوي، فترمب في حرج ألا ينفذ تهديداته، ولكن تنفيذه لها لن يتم بدون تفاهم أميركي مع روسيا أولاً، وإيران ثانياً، ولذلك ستكون روسيا جزءاً من المخطط كما إيران أيضاً، ودورهما تمرير ضربة عسكرية أميركية صاروخية قد تدخل في نطاق المناورات العسكرية الأميركية الروسية المشتركة بينهما، بدون أن تؤثر في معادلة التوازن العسكري والسياسي الذي تقوده روسيا وايران في سوريا، فإذا اضطرت روسيا للرد على هذه الصواريخ الأميركية بمحاولة إسقاطها، فهذا سيكون ضمن التمرين المشترك بينهما، وستكون فرصة لبوتين والقوات الروسية اختبار قدرتهم العسكرية على إسقاط الصواريخ الأميركية، وليس إيذاء الجيش الأميركي.

هذا الخيار هو الأرجح في تنفيذ التهديدات، والخيار الآخر المستبعد هو أن تكون أميركا جادة بالاصطدام العسكري مع روسيا في سوريا، فهذا أمر مستبعد لأنه لا ضمانات من توسيع هذه الصدامات خارج سوريا، وهو ما لا يحتمله البلدان،  وروسيا غير مستعدة ولا قادرة على ذلك أيضاً، وهذا بحد ذاته سوف يحقق أهداف أميركا في جعل القوات الروسية في سوريا تعمل ضمن الرؤية الأميركية، وبدون الاصطدام معها، ولا الاضطرار إلى ذلك، فقد يستخدم ترمب التهديدات العسكرية ضد روسيا لتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية، دون حرب معها، ومنها مطالبة روسيا بوقف سباق التسلح النووي، والتنافس العسكري، وهذا يعني أن عقلية ترمب تستخف بالقدرات الروسية، وتسعى لإخضاعها العسكري أمام القوة الأميركية، وهذا الخيار يواجه صعوبات كبيرة مع الرئيس الروسي بوتين، الذي يسعى إلى تقوية الترسانة العسكرية الروسية كثيرا في العقدين الأخيرين، فبوتين يسعى إلى إعادة روسيا إلى مرتبة الدولة الكبرى المنافسة لأميركا سياسيا وعسكريا، ولكنه يعاني من المشكلة السوفيتية القديمة وهي المشكلة الاقتصادية، كما لا يملك بوتين أن يجد أسواقاً لأسلحته، الأقل جودة من الأسلحة الأميركية، تدر عليه مئات المليارات من الدولارات، كما تفعل الولايات المتحدة الأميركية مع حلفائها وأصدقائها.

وفي الوقت نفسه ينبغي عدم نسيان الدوافع الأميركية الداخلية لهذه التهديدات، وهي الاتهامات الداخلية القضائية التي تلاحق ترمب أمام المحاكم الأميركية، أي أن الرئيس الأميركي يحاول من خلال افتعال صراع وهمي مع روسيا أن يؤثر على الرأي العام الأميركي، بتحويل اهتمام الشعب الأميركي نحو الحرب مع روسيا، وليس البحث عن تآمرها على الانتخابات الأميركية الأخيرة، التي نجح فيها دونالد ترمب نفسه، وهي القضايا الآخذة بالازدياد وتهديد مكانة ترمب في الرئاسة، فالتغريدة الأخيرة الصادرة عن ترمب يوم التهديدات الغريبة ضد روسيا كانت قول ترمب:» إن معظم مشاكلنا مع روسيا سببها تحقيقات مولر الفاسدة والكاذبة»، فهذا يرجح أن ترمب يعاني من اوضاعه الداخلية ما يؤثر على سياسته الخارجية أيضاً. وفي هذه الحالة أيضاً فإن أميركا ستكون قد اتفقت مع روسيا قبل الضربة الأميركية على سوريا إن تمت، وكأنهما يقومان بمناورات عسكرية مشتركة، بدون إيقاع أضرار بين الجيشين الأميركي ولا الروسي، وفي هذه الحالة فإن الضربات ستكون تحت السيطرة الأميركية والروسية، وسوف تكون الضربة لتدمير جزء مهم من قوة الجيش الذي يتحكم به بشار الأسد، وهذا يخدم المصالح الروسية والأميركية والاسرائيلية، حيث سيجعل بشار الأسد عبداً لبوتين وليس عبداً لإيران أولاً، فهو قد رهن طائراته الحربية في القواعد الروسية، وسوف يبقي مستقبل سوريا السياسي والعسكري مرهونا لسنوات وعقود مقبلة تحت الهيمنة الدولية الروسية والأميركية والاسرائيلية المتوافقة، وبالتالي حرمان الشعب السوري من أن يصل إلى حل سياسي قريب، أو أن يتمكن من التحرر من الهيمنة الدولية، فقد دخلت سوريا منطقة الصراع الدولي الكامل بعد هذه التهديدات.


نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :107,331,099

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"